مقدمة

كتب كل من الدالاي لاما و رئيس الأساقفة "دسموند توتو" و الرئيس التشيكي الراحل "فاكلاف هافل" رسالة مشتركة تبنوا فيها تقرير لدفاع عن المجتمع المدني في سنة 2009. و مما جاء فيها: " لن تزدهر الديمقراطية حتى يصبح بمقدور المواطنين الانخراط بحرية في العمل السياسي و المساهمة في التغيير الاجتماعي، حيث ظلت مجموعات المجتمع المدني لسنوات عديدة توفر للمواطنين الوسائل الكفيلة بتحقيق ذلك سلميا".

و اليوم، تفرض العديد من الحكومات في مختلف دول العالم تدابير قانونية تقييدية لنشاط منظمات المجتمع المدني، مما يمنعها من القيام بدورها في تيسير مشاركة المواطنين الفاعلة في مختلف مجالات التنمية السياسية و الاجتماعية. و لمجابهة هذه النزعة الارتدادية، انخرطت كثير من الحكومات و منظمات المجتمع المدني، فضلا عن المجموعة الدولية في بذل جهود مناصرة (بعضها عرف نجاحا) لإصلاح التدابير القانونية التقييدية و منع سن تدابير جديدة.

و في نطاق التدابير المتخذة، أطلق كل من المركز الدولي للقانون الذي لا يهدف للربح و أمانة الحركة العالمية من أجل الديمقراطية مشروع الدفاع عن المجتمع المدني سنة 2007. و يستجيب المشروع لطلبات المساندة التي يصدرها ناشطون في مجال المناصرة و يوثق أهم الدروس المستخلصة.

و يقر معظم ممثلي المجتمع المدني أن سن قوانين مكتوبة تضبط عمل منظمات المجتمع المدني أمر أساسي لحماية حرية التنظيم و التعبير و التجمع، و يقرون بأن تلك القوانين ضرورية لتأمين تطور المجتمع المدن،. إلا أن القوانين تستخدم كذلك أحيانا للتضييق على الفضاء القانوني المتاح و للحد من حماية الحريات الأساسية. و هذا ما يجعل نشطاء المجتمع المدني أحيانا يتوخون الحذر من المبادرات القانونية ذات الغرض الإصلاحي التي يمكن أن ينجر عنها إضافة قيود جديدة على نشاط المجتمع المدني. و خلافا لما هو سائد في بعض البلدان، فإنه يتعين أن تكون مقاصد القوانين الضابطة لنشاط المجتمع المدني ذات نزعة "تيسيرية" و "تمكينية"، لا ذات نزعة "رقابية" عليه. و بناء عليه، فمن مصلحة نشطاء المجتمع المدني المشاركة بفعالية في صياغة الإطار القانوني المنظم لعمله.

و لتقديم العون في هذا الصدد، يجمع هذا الدليل الإرشادي عددا من تجارب الأفراد و المنظمات التي انخرطت في مبادرات الإصلاح القانوني في أكثر من 12 بلدا في العالم. و لكي يكون هذا الدليل وثيق العلاقة بالمسائل المستهدفة و عمليا قدر المستطاع، عمدت أمانة الحركة العالمية من أجل الديمقراطية و المركز الدولي للقانون الذي لا يهدف للربح إلى طلب الاستفادة مما راكمته مئات الهيئات الممثلة للمجتمع المدني في 40 بلدا من خبرات و تجارب و معطيات.

تختلف استراتيجيات المناصرة و تكتيكاتها حسب السياقات السياسية ( أنظمة تسلطية، ديمقراطيات انتقالية، ديمقراطيات فتية)، و لذلك يتعين عليكم تكييف المقترحات الواردة في هذا الدليل الإرشادي مع السياق السياسي لبلدكم. و المقصد الأساسي من هذا الدليل الإرشادي هو أن يساعد في تبادل الخبرات العملية و الدروس المستخلصة و بناء قدرات الأفراد و الهيئات الساعية لإصلاح القوانين المنظمة لأنشطة المجتمع المدني.

و نأمل أن يساعد هذا الدليل الإرشادي في تزويدكم بالنصائح و الأدوات و الاستراتيجيات التي يمكن للمنظمات و النشطاء أن يستأنسوا بها عند شروعهم في التخطيط لجهود إصلاح الإطارات القانونية للمجتمع المدني.

و يتضمن الدليل الإرشادي، الذي تم إصداره بعدد من اللغات، المحاور التالية:

  • فهم خصائص البيئات القانونية المقيدة لنشاط المجتمع المدني و تقييمها
  • تشريك المجتمع المدني في جهود المناصرة
  • تشريك الهيئات الدبلوماسية و المانحة في جهود المناصرة
  • تشريك وسائل الإعلام في جهود المناصرة
  • إجراء حوار مع الحكومة و البرلمانيين و غيرهم من أصحاب المصلحة
  • لإصرار على مواصلة النشاط في البلدان التي تفرض قيودا صارمة على نشاط المجتمع المدني

قبل الشروع في تنفيذ مبادرة إصلاح قانوني، يجب عليكم أن:

  • تقدروا مدى انفتاح المناخ السياسي في بلدكم. و يعد ذلك من أهم العوامل الكفيلة بتحديد درجة نجاح الانخراط في مبادرة الإصلاح. و يجب أن يكون تحديد أهداف عملية الإصلاح قائما على وعي كاف بالفرص المتاحة و العراقيل الماثلة سياسيا. و تجدر الإشارة على أنه حتى في صورة وجود مناخ سياسي يتسم بفرض قيود صارمة على المجتمع المدني، فإن تحقيق تقدم في مسألة الإصلاح يبقى ممكنا و ذلك اعتمادا على طرق ملموسة شتى: يمكن على سبيل المثال تعزيز قدرات المجتمع المدني من خلال تحليل الإطار القانوني المحلي، أو تعميق وعي النشطاء بالمخاطر التي تتهدد حرية التنظم و التجمع
  • تستوعبوا و تتقبل المخاطر ذات العلاقة. إن السعي لتجنب المواجهة مع الحكومة لا يعني بالضرورة الإحجام عن نقدها عند القيام بمراقبة المسار السياسي و الانخراط في جهود مناصرة الإصلاح. و حتى لو اضطررت لتديم تنازلات بشأن بعض المسائل، فإن ذلك لا يعني التنازل على المبادئ الديمقراطية الأساسية.
  • تستعد لمعركة طويلة. ليس مستغربا ان يستغرق المسار الإصلاحي سنوات عديدة. و يمكن أن يتخلل مسار تنقيح القوانين القائمة أو صياغة قوانين جديدة التقدم بمشاريع قوانين كثيرة، و قد تطرأ تغييرات مختلفة على المناخ السياسي و على الأطراف السياسية الفاعلة على نحو متكرر و غير متوقع أحيانا.